جمعة كنجي
تجمع الأولاد في ساحة القرية . غدا ً يصادف الجمعة .. إنه يوم عطلة ، فأين يمضون عطلتهم ؟ وكيف ؟ . تناقشوا في الموضوع ، طرح كل طفل رأيه ، كانت آراءً صغيرة بلا معنى - من وجهة نظر الكبار - لكنها كانت في إعتقادهم آراء كبيرة وعظيمة الأهمية .
قالت لمياء:
- أحب أن نذهب غدا ً إلى الجبل لنجمع الورود البرية .
وقال مخلص :
- أنا افضل أن نرافق أمهاتنا وهنَّ يذهبن لحلب الغنم في البرية .
وقال أميل :
- لقد صنعت مصيدة جيدة. وأنتم أيضا ً تستطيعون أن تصنعوا مثلها . فلم َ لا نذهب لصيد العصافير ؟
إعترض خيري:
- بابا يقول بأن صيد العصافير عادة سيئة .. فماذا فعلت هذه المخلوقات الجميلة لنقتلها ؟! .
وأردف شامل : أرى أن نذهب إلى شاطيء النهر ، فنبني قرية لنا ، كما كنا نفعل في الماضي .
إحتجَّ خليل :
- هذه لعبة قديمة !
في النهاية حل ّ الظلام ، تفرق الأولاد ، دون أن يتفقوا على لعبة معينة .
.******.
صباح اليوم التالي ، قبيل شروق الشمس ، إنطلق خليل وحيدا ً نحو شاطيء النهر .
كان يحمل في مخلاته قليلا ً من الخبز والزبيب ، وشصا ً لصيد السمك . في الطريق فكر في ما كانت ترويه له أمه : " حوريات الماء كثيرا ً ما يستحمن في الليل على الشاطيء " . إذن من الأفضل له ، ألاّ يسرع حتى تشرق الشمس . تماهل في سيره وهو يراقب دائرة الشمس الأرجوانية خلف الجبال النائية ..
ُذهِلَ لمنظر الشروق : "ما أجمل َ قرص الشمس الذهبي وهو يرتفع هكذا بأبهة وشموخ فوق قمم الجبال ! " أسرع في مشيه وسط الحقول الخضراء.. كان الجو دافئا ً ، والأزهار تغطي سفوح الروابي ، قال في سره : " هذه هي تباشير الربيع " .
عندما بلغ شاطيء النهر ، تذكر نصيحة والدته : " إذهب إلى النهر .. إذهب .. فأنت صبي ولم تعد طفلا ً صغيرا ً ، لكن إياك أن تسبح إذا كنت وحدك ! " .
مضى ينقل خطاه فوق الرمال الناعمة ، باحثا ً عن مكان ملائم لصيد السمك .
إختار صخرة عالية ، ليجلس فوقها …
كانت مياه النهر حمراء داكنة بلون الدم . هذا هو موسم الفيضان ، المياه مشبعة بالغرين . تساءل مع نفسه : " مِن أين يأتي النهر بكل هذا الغرين الكثير ؟ " .. هيأ الشص ، قذف به بعيدا ً ، إلى عرض النهر ، ثم جلس بهدوء يفكر في أمر الغرين .. أمه تقول :
" في كل سنة ، وفي مطلع الربيع ، تنزل الحوريات إلى النهر ، في موكب كبير ، فتسبح مثيرة ً ضوضاء وصخبا ً عظيمين ، وهي بعملها هذا ، تعكر مياه النهر ، فتبدو خابطة حمراء بلون الدم " .
أمّا معلمه فيقول : " إن سبب حمرة مياه النهر ،هو كثرة الغرين الذي تحمله المياه في موسم الربيع حين تذوب الثلوج " ، وهو يفكر في أمر الغرين ، إختلج الشص في يده، هتف:
- لا بدَّ وان سمكة كبيرة علقت به .
شدَّ على الخيط ، سحبه بهدوء . ظل يسحب ويسحب . عندما أتى على نهايته ، صاح بفرح :
- هيا . تعالي أيتها السمكة الجميلة ! .. لماذا تبدين هكذا عنيدة يا عزيزتي ؟.
قاومت السمكة بقوة ، وهي ما تزال في الماء . وكاد الخيط أن ينقطع ، قال لنفسه :
" ماذا ؟. أبدا ً لم أصادف في حياتي سمكة عنيدة إلى هذا الحد لعلها كبيرة ، ربمّا تكون قوية ، لكنها على أي حال ، لن تفلت من قبضتي ".
حين عاود السحب ظهرت فوق السطح سمكة فضية رشيقة .
خبطت السمكة الماء بزعانفها بقوة ، دارت حول نفسها عدة دورات يائسة ، محاولة الخلاص من الشص دون جدوى .
صاح خليل :
- كفاك ِ عنادا ً ، أيتها السمكة الفضية الرشيقة ، فأنا لا أريد أن ألحق بكِ أذى .
قالت السمكة وهي تقاوم بضراوة :
- جميع الصيادين يقولون هذا .. ألا ترى كيف يمزق شصك فمي ؟ ! .
جذبها خليل نحو الشاطيء بسرعة قائلا ً :
- أنا لا أوذي السمك الجميل ، بل أرعاه في البيت داخل خوض الزينة .. ألا تصدقيني ؟ .
نظرت السمكة بعينين حزينتين إلى وجهه المدور النحيل . قالت بلهجة توسل :
- يبدو لي انك ولد عاقل ، لا تشبه بقية الصيادين .. لكن ألا تعتقد بأن الحوض سيكون كالسجن بالنسبة لي .. ؟ . لقد تعودتُ أن أجوب البحار الشاسعة ، فكيف أستطيع الصبر في حوض صغير داخل البيوت ؟ ! .
عندما إنتزع خليل الشصَّ من فمها . هزت السمكة زعانفها من شدة الألم ، وقالت باكية :
- أعدني إلى الماء ، أيها الصبي الطيّب ، الهواء يخنقني ..! الم تعاهدني أن أبقى حية ؟؟.
- نعم وعدتك بذلك .. لكن من يقول إنك لن تهربي إذا أعدتك إلى الماء ؟ .
- إعتبرني صديقتك لن أهرب . سأجيء بين حين وآخر لكي أراك .
- ,إعتبريني صديقك . سأطلق سراحك .. كلما جئت ُ إلى الشاطيء ، سأبحثُ عنك ، أنت ِ حقا ً سمكة فضية جميلة .
ألقى بها في الماء . شرعت تسبح برشاقة . لوح لها بيده مودعا ً ، قالت بأمتنان :
- سأضع بيضا ً كثيرا ً ، قد أعود أنا وصغاري لرؤيتك ، أيها الصديق العزيز ، سأجلب لك هدية ثمينة .
- أين تضعين البيض ؟ .
- في البحار البعيدة ، قد لا تراني فترة طويلة ، لكن من المحتم أن أعود .
اطرق خليل يفكر : كيف تكون الحياة لو إنقرضت الطيور والأسماك والحيوانات ؟ .. تلك السمكة الفضية هي أمْ ، وتستطيع أن تنجب سمكا ً كثيرا ً على شاكلتها ، الأم هي مصدر الحياة سواء أكانت هذه الأم إنسانا ً أو حيوانا ً أو سمكة . ينبغي أن نراعي حق الأمومة لكي تستمر الحياة .. وحسنا ً فعلتُ باطلاق سراح تلك السمكة الفضية ، سواء عادت أمْ لمْ تعد " . وغمره الفرح بينما كانت السمكة الفضية تغوص نحو الأعماق.
. ******.
في ذلك اليوم قرر خليل ألاّ يصطاد أي سمكة أخرى .. قفل راجعا ً إلى بيته ، وذهنه مشغول بشأن تلك السمكة الفضية العجيبة : " أي هدية ستجلب له ؟ من يقول أنها سترجع ثانية ؟ أليس من الجائز أن تكون سمكة ماكرة هزأت منه وغررت به وخدعته ؟ .
ثم أليس من الجائزأن تقع في شبكة صياد آخر ؟ .. عندئذ ستكون لقمة سائغة . هذه الأفكار وأخرى كثيرة طافت في ذهنه ، لكنه قرر ألا يخبر أحدا ً بقصته .
. ******.
مرّت الأيام ..
ذات مرة فكر خليل في الذهاب إلى شاطيء النهر . ربما تكون صديقته السمكة الفضية قد عادت من رحلتها .. حين وصل الشاطيء ، جلس فوق ذات الصخرة ، التي إصطاد من فوقها السمكة . لقد مضى الربيع ، وإنتهى موسم الفيضان ، ها هي المياه تلوح له صافية رقراقة ..
إذا ما مرّت صديقته السمكة الفضية ، لن يتعذر عليه رؤيتها .. ظل َّ ينتظر حتى الظهر ، وفي نفسه يدور ألف هاجس : " ذلك الطير الغطاس ، ذو المنقار الطويل ، أليس من المحتمل - مثلا ً - أن يكون قد إلتهم صديقته تلك ؟؟ " .
فجأة قفزت السمكة الفضية عاليا ً فوق سطح الماء . لوحت له بزعانفها ، ثم غاصت نحو الأعماق ! أثارت عند غوصها صخبا ً عظيما ً : " بق ! بق " . هتف خليل :
" إنها هي . صديقتي نفسها . لقد عادت .. ولكن ، لماذا إختفت هكذا بسرعة ؟ " . تعلقت أنظاره بصفحة المياه . وهو يقول : " حتما ً ستعود ، كما وعدتني ! " .
وبينما هو مغرق في افكاره، إنشقت صفحة المياه ،ظهرت السم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ